Click Here For English Menu 

 

 

 

Libyan Constitutional Union

 

http://www.libyanconstitutionalunion.net  

&

   http://www.lcu-libya.co.uk

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي: تأسيسه ونشأته

مقالة توثيقية بقلم محمد بن غلبون

Click for English translation

 

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزءً من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.

 

تحتوي هذه الصفحة على الأجـزاء من 6 إلى 9  

 
         
الجزء الخامس الجزء الرابع الجزء الثالث الجزء الثاني

الجزء الأول

الجزء العاشر الجزء التاسع الجزء الثامن الجزء السابع الجزء السادس
الجزء    15 الجزء    14 الجزء    13 الجزء   12 

الجزء    11

الجزء   20 الجزء    19 الجزء    18 الجزء   17

الجزء   16

الجزء 22       الجزء  21
    البيان الختامي    
 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء السادس

[2] الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

 

مصطفى بن حليم ..

بعد لقائي بالملك إدريس ( رحمه الله)، وفور عودتي إلى مانشستر، عقدت العزم على زيارة أبن عمتي مصطفى بن حليم الذى دأبت ـ دوماً ـ على زيارته والسؤال عنه.

ولم تتوقف هذه العادة فى التواصل معه ـ ومع غيره من الأقارب ـ فى أي وقت مضى، ولم تحل دونها أية ظروف طارئة كتلك التى فرضها نظام الحكم الجائر فى ليبيا بمعاقبة كل من يلتقى برموز العهد الملكي السياسية المغتربة فى أرض المهجر.

وهكذا، لم تنقطع مواظبتي على زيارة بن حليم ـ فى محل إقامته الدائم بلندن ـ حتى فى فترة وجودي فى ليبيا، والتى كانت تؤدى فيها مثل تلك الزيارات إلى فقدان المرء لحياته أو الزج به فى غياهب سجون النظام الفاسد.

فقد كُنت أنتهز الفرصة فى كل مرة تسوقني فيها الظروف إلى مدينة لندن لتجارة أو سياحة، فأقوم على الفور بالعروج على منزله لزيارته والإطمئنان عليه.

ومن هنا، قررت زيارته بعد عودتي من لقاء الملك كسالف عهدي، مغتنماً فى نفس الوقت فرصة هذه الزيارة لأفصح له عن نيتي لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وهذا ما يجعله ـ فى هذا الإطار ـ أحد أولى الشخصيات الليبية التى يتم إبلاغها بهذا الشأن فى حينه.

وهكذا، توجهت من مانشستر إلى لندن، ثم إلى بيت بن حليم، لأتبادل معه ومع أفراد أسرته ـ كما هى العادة ـ عبارات السلام والمجاملات الودية، التى ما كدنا نفرغ منها، ومن تناول وجبة الغذاء، حتى أعربت له عن رغبتي فى الإنفراد به من أجل الإسرار له بموضوع هام.

توجه بي بن حليم إلى غرفة مكتبه الخاص، حيث فاتحته بأمر عزمي على تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي الذى تسعى فكرته لإعادة الشرعية الدستورية فى البلاد تحت راية صاحبها ومالك شرعيتها القانونية الملك إدريس السنوسي.

ودار بيننا حديث مطول، سأنقله للقراء ـفيما سيلي ـ بكافة معاني ومدلولات نصه الكاملة، وليس بالمطابقة الحرفية التامة لكلماته وعباراته الواردة فيه، والتى مضى على وقوعها قرابة ربع قرن من الزمان.

وفى مستهل هذا الحديث، أفضت فى شرح فكرة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي ـ لإبن حليم ـ من كافة جوانبها وأبعادها السياسية والقانونية والروحية، دون الإشارة ـ له ـ عن أمر مقابلتي للملك إدريس وحصولي على موافقته الضمنية فى هذا الخصوص.

ويرجع سبب حجبي لهذا الأمر عن مصطفى بن حليم إلى أني لم أكن قد قمت ـ بعد ـ بتبليغ رفاقي فى كيان الإتحاد الدستوري الليبي بتفاصيل ذلك اللقاء وما تضمنه من حصولي على موافقة الملك بالشروع فى تأسيسه.

وهذا ما يفرض علي ـ تباعاً ـ فى إنطلاق من واقع الإلتزام بالأعراف التنظيمية، وإعتباراً لضرورة التمسك بالأصول الأخلاقية، ألاّ أبوح لأحد خارج نطاق دائرة مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي بتفاصيل ذلك اللقاء، وأن لا يتم، وفقاً لقواعد هذا المنطق، إعلام أحد من غير الأعضاء المؤسسين ـ مهما بلغت قرابته أو صداقته بي ـ قبل أن يتم إطلاع هؤلاء الأعضاء بالدرجة الأولى.

ولهذا فضلت أن أُرجي الخوض فى إعلام بن حليم وغيره بأمر لقائي بالملك بعد القيام بإعلام رفاقي والتشاور معهم فى هذا الشأن.  

** * ** 

استوعب بن حليم الفكرة التى تقوم عليها أهداف تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وأفصح عن مكنون إعجابه المفرط بها، وقال لي فى هذا الصدد: " يا جدي[1] إن هذه الفكرة لا يكمن فى تطبيقها تحقيق الليبيين لحلمهم فى الخلاص من نظام القذافى فحسب، بل أنها هى طوق النجاة لهم من ورطة انفراط بركة حكم الرجل الصالح[2] ".

واسترسل بن حليم فى القول: " إذا كان هناك نجاح للقضية الليبية فى تحقيق أهدافها من أجل تقويض النظام العسكري الحاكم وإعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود، فإن هذا النجاح المأمول لن يتم ويبلغ مغزاه المنشود إلاّ بهذه الفكرة النيرة، والتى تقوم ركائزها على تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، ولكن المعضلة الكبرى يا جدي ـ هنا ـ تكمن فى صعوبة تحقيق مثل هذه الفكرة، بل فى استحالة تطبيقها وتحويلها إلى واقع ملموس ".

وما كان مني إلاّ أن سألته عن السبب الذى دعاه إلى إعتبار فكرة الإتحاد الدستوري الليبي غير قابلة للتطبيق، وجعله ـ من ثمة ـ يضعها ضمن خانة الأمور المستحيلة المنال.

أسرع بن حليم بمواصلة حديثه فى تقديم أسبابه التى كونت رأيه وحكمه على فكرة الإتحاد الدستوري الليبي، فقال: " إن فى هذه الفكرة ـ كما أشرت منذ قليل ـ يكمن الحل الوحيد لبلوغ أهداف الشعب الليبي فى الخلاص من النظام الحاكم غير الشرعي، وإعادة الشرعية المصادرة إلى نصابها المعتاد، ولكنها فكرة غير قابلة للتنفيذ، فلو كان هناك ذرة من الأمل فى تحقيقها لكُنت قد قمت بنفسي بتحويلها إلى أمرٍ واقع منذ وقت مبكر، ولم أكن لأنتظرك حتى تكبر فى السن[3] ويشتد أزرك وتبلغ من العمر القدر الذى يمكنك من التفتق عن مثل هذه الفكرة النيرة، ثم تقوم من بعد ذلك بعرض أمرها علي ".

وتوقف بن حليم هنيهة ليسترسل قائلاً: " إن السبب من وراء عدم إمكانية تنفيذ هذه الفكرة يتركز بجلاء فى أهم عناصرها القائمة عليها، وهو موافقة الملك إدريس وقبوله بتنفيذها، ولعلك تعلم بأن الجميع يعرف بعزوف الملك إدريس عن مزاولة نشاطات الحياة السياسية ! وبصفة شخصية، فأنا أعلم أكثر من أي شخص آخر مدى صحة هذا الأمر الذى لمسته من الملك نفسه ".

وقال لي بن حليم مواصلاً حديثه: " إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فإذا ذهبنا شططاً، و افترضنا تجاوزاً أنك قمت بالتغاضي عن موافقة الملك، وشرعت فى تنفيذ الفكرة على أساس أنها ترتكز على قضية وطنية ـ حيوية ـ يترتب على نتائجها مصلحة الشعب الليبي بأسره، ومن ثمة فأنك فى هذا المضمار لا تحتاج إلى موافقة الملك إدريس لتنفيذها. فى هذه الحالة ـ بالذات ـ سوف يسحب الملك إدريس البساط من تحت أقدامك، معلناً للعالم بأنه لم يفوضك فى هذا الأمر، ولا يقبل ـ من ثمة ـ الزج به فيه !!. بل إنه ـ ربما ـ سوف يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وذلك من خلال تصريحه للملأ بأنه ناقم على الليبيين الذين خذلوه بعد أن أفنى عمره من أجلهم ومن أجل قضيتهم الوطنية، ولا يقبل من ثمة مساعدتهم أو مد يد العون إليهم !! ".

فبادرت على الفور بسؤاله: " ما هو رأيك إذا قمنا بتذليل هذه العقبة وحصلنا على موافقة الملك المطلوبة ؟ وما هو موقفك الشخصي ؟ وما الذى يمكنك تقديمه ـ فى هذا الصدد ـ لقضيتنا الوطنية ؟ ".

فرد مجيباً: " إن هذ فرضية خيالية ليس لها أساس متين تقف عليه ! فدعك من الإفتراضات غير القابلة للتحقق، فأنا أُحدثك من منطلق الواقع والتجربة فى هذا الشأن، فقد سبق لي التحدث مع الملك فى هذا الخصوص، ورفض القبول بمثل هذا الأمر رفضاً باتاً، ولم يكن ذلك من خلال محاولة ـ منفردة ـ واحدة، بل أقدمت على عرض هذا الأمر على الملك عدة مرات وفى مناسبات مختلفة، وباءت جميع محاولاتي بفشلٍ ذريع ".

** * **

 

لم أكن أملك فى حينه سبب يجعلني لا أصدق ما قاله بن حليم، ولكن واقع الأمر يكاد يفرض علي عدم قبول ما جاء على لسانه من حديث مطول حول رفض الملك الشديد لقبول الفكرة المنوه عنها، والتى ـ قال أنه قد ـ طرحها عليه عدة مرات.

ومن هنا، فقد وقعت فى حيرة ـ من جراء ـ ما سمعت من بن حليم ، فهأنذا قد حصلت على موافقة الملك دون أن تكون لي به معرفة أو رابطة أو صلة سابقة، ولم أكن فى يومٍ أحد وزرائه أو رئيساً لوزرائه. بينما فى ذات الوقت ـ ها أنا ـ أسمع من هذا المخضرم الذى خدم فى وزارات الملك لسنوات طوال، وربطته به صلة ـ قوية ـ فرضتها طبيعة علاقة عمله فى الإطار المذكور، بأن كافة محاولاته المتعددة لإقناع الملك بالموافقة على الفكرة المشار إليها قد باءت بالفشل الذريع !.

وقد شعرت فى حينه بأن بن حليم لسبب لا أعلمه يحاول أن يصرفني عن المضي فى سبيل تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، وقد عللت ذلك ـ بنية حسنة ـ على أنه نوع من الحرص منه على سلامتي الشخصية، لما رآه فى هذا الأمر من مشقة وعناء وخطورة جسيمة.

فقد حاول ـ فى ذلك اللقاء ـ بكل ما يملك من قدرة على الإقناع أن يثنيني عن عزمي ويهبط من همتي فى شأن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، ولم يدخر فى هذا الصدد جهدا إلاّ وبذله فى محاولة إقناعي بالعدول عن التفكير فى هذا الأمر.

فقال ـ لي ـ ضمن حديثه المحبط: " وحتى لو افترضنا جدلاً إنك قد حصلت بطريقة ما على موافقة الملك فى هذا الصدد، فأنك حتماً ستصطدم بعقبة أُخرى لن يكن لك عليها سلطان، وهى سلبية  الليبيين وخذلانهم لك، فشعبك شعب مري[4] !! ".

** * **

لكني مع كل ذلك لم أفقد الأمل فى استخلاص وجهة نظره وموقفه من تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي فى حالة الإعلان عن قيامه فى الفترة القادمة.

فقلت له بتؤدة وأناة وصبر: " دعنا نشطح قليلاً فى عالم الخيال، ونفترض حدوث المستحيل، وذلك من خلال تصورنا الحصول على موافقة الملك وعضده وتأييده لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي. والسؤال الذى يطرأ هنا، ما هو رأيك الشخصي فى هذا الشأن ؟ وما الحالة التى سيكون عليها موقفك فى هذا الصدد ؟ فهل ستدعم هذا الكيان القائم على الفكرة التى تجلها وترى فيها الحل الوحيد للقضية الوطنية ؟ أم أنه سيكون لك موقف مغاير تفرضه وتحتمه عليك ظروفك الخاصة المحيطة بك ؟  ".

وهنا، سقط فى يد بن حليم، ولم يجد مفراً من تحديد موقفه الصريح فى إجابة أرغمته على ذكرها تساؤلاتي الملحة، فقال: " أسمع يا جدي، سأمضي معك شططاً فى رحلة الإفتراضات المستحيلة فى عالم الخيال، وسأفترض حصولك على موافقة الملك التى لازلت أُصر أنها من أعصى أنواع المستحيلات. فإذا أستطعت ـ فعلاً ـ الحصول على هذه الموافقة، فأنك تكون بذلك قد ملكت بين يديك مفتاح حل القضية الليبية، وتكون قد وفقت فى تحقيق أمر فشلت أنا فى تحقيقه !. ومن ناحية أُخرى، فيما يخص موقفي ومقدار دعمي لهذا العمل الوطني، فأنا ـ وكما تعلم ـ قد تجنست بالمواطنة السعودية، وهجرت السياسة، لأن ظروفي ـ الإستثنائية ـ تمنعني من ممارسة النشاطات السياسية، ولي فى هذا الصدد مصالح خاصة أحرص على الحفاظ عليها. ومع ذلك، فأنا على أهبة الإستعداد لتقديم النصائح وكافة المساعدات الممكنة والتى فى حدود قدراتي، فأنت أولاً ابن خالي، ومثل أحد أبنائي؛ وثانياً فأنا لازلت ليبياً وتهمني مصلحة وطني. ولكن لدى فى هذا الخصوص شرط واحد !! ".

فقلت له متسائلاً: " ما هو هذا الشرط ؟ ".

فقال مجيباً: " إن يكن الأمرُ فى طي الكتمان، وغاية فى السرية ! بمعنى أن يتم لقائي معك بمفردك، دون إقحام الآخرين فى هذا الشأن. بحيث نجلس بمفردنا كمثل جلستنا هذه ونتحدث فى الموضوع، أُسدى لك النصح السديد، وأرتب لك المعونة المطلوبة ".

وقبلت بشرطه، وشكرته كثيراً على عرضه السخي، وقلت له بأنه لدى طلب آخر يتعلق بنفس الشأن، ويقع ضمن حدود القدرات والإمكانيات الخاصة به وبشخصيته، فسألني عن كنه هذا الطلب.

فقلت له: " أنني عند القيام بتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي سأكون فى أمس الحاجة لعلاقاتك الواسعة بالشخصيات السياسية النافذة والمؤثرة فى الدول العربية، حيث سيكون من المفيد لبرنامج العمل المزمع تنفيذه فى إطار برنامج الفكرة العامة للإتحاد الدستوري الليبي أن يتم اللقاء بمثل هذه الشخصيات والتنسيق معها ".

فقال لي بكل ترحاب: " لن أدخر أي جهد فى هذا الخصوص إلاّ وسأبذله ". وخرجت من منزل مصطفى بن حليم وقد امتلأت نفسي برضا وعوده المعسولة.

** * **

 

ولم يكد يمض على ذلك اللقاء فترة قليلة، حتى كُنت ورفاقي قد حددنا موعد للإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي. وكان الموعد المقرر ـ للإعلان ـ هو السابع من أكتوبر سنة 1981م، الذى يتفق مع الذكرى الثلاثين لإعلان الدستور الليبي ويتوافق مع حلول عيد الأضحى المبارك، وهذا ما جعلنا ندمج بيان الإعلان عن تأسيس الإتحاد فى بطاقة معايدة، تحمل فى داخلها صورة نادرة للملك إدريس السنوسي كانت ـ حتى وقت قريب ـ تقبع على منضدة بهو الفيلا التى يقطنها وتزينه، والتى وهبها لي كهدية لأستخدامها فى بيان الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي.

وقد أرسلت لإبن  حليم إحدى هذه الكروت، إسوة بالكثير من الشخصيات الليبية الأُخرى فى بلاد المهجر المختلفة [5].

وفى صباح يوم العيد ـ وكما جرت عليه العادة ـ اتصلت بإبن  حليم لأهنئه بحلول هذه المناسبة الدينية المباركة. وما أن سمعت صوته على الطرف الآخر من التليفون، حتى بادرته بتحية الصباح فقاطعني بفتور مفرط، لم أتمكن ـ معه ـ من إكمال تحيتي له، ومن ثمة تهنئته بالعيد.

وقال لي بنبرة غاضبة: " لقد وصلني الكاغط متاعك !! ". وكان يعني بهذه الكلمات المستهزئة، والتى نقلتها ـ هنا ـ على علاتها، كرت المعايدة الذى كان يحمل فى طياته الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي.

ظننت للوهلة الأولى أن الكلمات غير المنمقة التى سمعتها ـ منه ـ منذ قليل، والتى لم يسبقها تحية أو سلام أو لطف أو ود هى حالة شاذة فى سلوك هذا المخضرم الذى لا يخطىء لسانه مواضع الكلام فى أي حديث إجتماعي يخوضه.

وظننت ـ خاطئاً ـ بأنه ربما يكون غاضباً مني، لأني أعلنت عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي بدون إشعاره بالأمر سلفاً. وقلت فى نفسي، لعله يكون قد اعتراه غضب بسيط سيزول بمجرد أن أشرح له الموقف وأتلقى منه العتاب.

ولم أتصور ـ فى حينه ـ أن الأمر لن يتخلله العتاب أو اللوم أو غيره، وإن ذلك الفتور الذى أطلق بن حليم عنانه فى تلك المكالمة المقتضبة لن ينتهى فى لحظتها، بل أنه سيمتد بتراكماته إلى خمس وعشرين سنة أُخرى !!.

وكانت دهشتي عظيمة، عندما تدفقت عباراته بهستيرية لا تتناسب وشخصيته المرسومة فى الذهن، والتى أصابتني كلماتها القاسية بصدمة لم أفق من تداعياتها إلاّ بعد فترة زمنية طويلة، ومن ناحية أُخرى، لم أجد لها حتى هذه اللحظة التفسير المنطقي الذى يبرر سبب نشوئها فى نفسه[6].

قال مصطفى بن حليم الذى كان لسان حال عباراته الجشة يتمنى من صاحبها أن يحول كلماتها القاسية إلى لكمات مميته تقضى على محدثه فى الطرف الآخر من خط التليفون: " أريد أن أطلب منك ألاّ تُكلمني مرة أخرى ! وأن لا تبعث لي بأية رسائل أو أوراق فى هذا الشأن أوغيره. وأريدك، علاوة على ذلك، أن تنسي صلة القرابة التى تجمعنا سوياً، وتمزق من مفكرتك ـ تلك ـ الصفحة التى تحمل عنواني ورقم تليفوني. فأنا من هذه اللحظة فصاعدا لا أريد أن أعرفك أو أن أراك !! ".

فقلت له والحزن يفطر قلبي: " عيدك مبروك يا مصطفى بي ". ولم أزد عن ذلك كلمة، ووضعت السماعة على جهازها.

وأنقطعت من يومها صلتي المباشرة به، وأعتقدت ـ حينئذٍ ـ أن كل أمرء منا سيغدو لحال سبيله، وتحفظ ـ لنا ـ صلة الدم التى تجرى فى عروقنا بعضا من الإحترام الذى يصون قدسية الحرمات الشخصية، هكذا تصورت، وهكذا تمنيت.

ولكن، ليس كل ما يتمناه المرء يناله ! فقد اختار مصطفى بن حليم جادة لم تكن تليق بشخصه وسنه ومقامه، حيث اتخذنى، بدون أسباب ظاهرة أو معلومة لي، عدواً له، وأطلق العنان ـ فى هذا الصدد ـ لحملة شعواء تهدف إلى تشويه سمعتي على مدار المستويات الثلاث: المستوى الأسري، ومستوى الأصدقاء والرفاق، والمستوى العام.

فقد وضع مسألة اغتيالى سياسياً وإجتماعياً هدفاً أساسياً نصب عينيه، لا يألو فى سبيل بلوغه جهدا أو وسيلة، ويتبنى له فى هذا الخصوص كافة الطرق المشروعة واللا مشروعة. 

** * **

 

بدأ بن حليم يروج لشائعات بين أفراد المعارضة الذين تجمعني ببعضهم صلات صداقة، وإجلال واحترام متبادل، مفادها إني قد اختلقت موافقة الملك إدريس (رحمه الله)، وبإني مختل عقلياً، وابن عاق خرجت عن رضا كبار العائلة الذين لم يكونوا موافقين على مسألة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي !.

ثم أدار ـ بعد ذلك ـ دفة حملته الشعواء نحو والدي (رحمه الله)، الذى كان يجله كثيراً ويثق فى أرائه السياسية، بإعتباره شخص مخضرم، تقلد وتقلب فى المناصب السياسية المختلفة فى الدولة الليبية إبان العهد الملكي لفترات طويلة، وله خبرة وباع فى عالم السياسة الذى تكتنفه الألاعيب والدسائس والمؤامرات.

وسلط مصطفى بن حليم أخاه عبد الحميد (المحامي) الذى لم تكن حظوته عند والدي بأقل من تلك التى نالها هو شخصياً؛ فقد كان عبد الحميد يملك نواصي عذوبة الحديث والكلام، وكان يملك إمكانيات فذة فى إدارة دفة الحوار مع الآخرين، وكانت أحاديثه ـ على الدوام ـ محط إعجاب كل من عرفه أو حضر مجلسه.

وهكذا تناوب مصطفى بن حليم وأخوه عبد الحميد الأدوار لدى والدي فى محاولة إقناعه بثنيي عن الإستمرار فى النهج الذى اخترته سبيلاً لتحرير وطني. فكان كل منهما على حدة يوقع الوجس والخوف فى قلب والدي من مخاطر توجهي غير المحمود، الذى كانا يصوران له عاقبة نتائجه السيئة بأضرار جسيمة ستلحق بأفراد العائلة بأسرهم، وليس على شخصي فحسب.

بمعنى، إنهما كانا يصوران لوالدي قدرة وجبروت وشدة انتقام النظام الحاكم فى ليبيا، الذى لن يقف ـ معه ـ عند حد الانتقام مني شخصياً، سواء بالتصفية الجسدية أو الخطف أوغيره، بل أنه سوف يمتد هذاالانتقام إلى أفراد الأسرة جميعهم، وذلك كعقاب لهم ولي على مناوئته والتفكير فى العمل على تغييره.

وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن عبد الحميد بن حليم الذى كان عضوا بارزاً فى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأحد أقطابها الأساسيين فى مصر، لم يكتف بترهيب والدي من مغبة انتقام النظام من أفراد أسرته بجلهم فحسب، بل أنه حذره فى مجمل نصحه المستفيض بأن مستقبل الحكم فى ليبيا ستكون حظوته وغلبته لجبهة الإنقاذ، وهذا ما سيكون له عواقب وخيمة على موقف أسرته من قادة الحكم الجديد فى المستقبل.

بمعنى آخر، إن التوجه الذى يتبناه أولاده سيجلب لهم ـ ولأسرتهم ـ عداء سلطة الحكم القادم (الجبهة)، وذلك لمنافستهم لها من خلال تأسيسهم للإتحاد الدستوري الليبي، الذى يسعون عن طريقه إلى إعادة الشرعية الدستورية للبلاد !.

وكادت نصائح أخوان بن حليم لوالدي ـ فى هذا الشأن ـ تؤكد على صحة المثل الشائع وتتطابق معه، والذى يقول نصه " تكرار الأفكار على الأذن، أشد تأثيراً من قوة الأسحار ". ولكن كان لثقة والدي الكبيرة فى سداد رأيي، عامل حاسم فى فشل محاولاتهما المتكررة.

ولا أنكر ـ هنا ـ أن بن حليم قد نجح على المستوى العام فى إحداث بعض التأثير الذى عرقل من فعالية جهدي ونشاطي لأجل تحقيق الأهداف التى من أجلها تأسس الإتحاد الدستوري الليبي، حيثا تخذ بعض المعارف والأصدقاء مواقف سلبية فى هذا الخصوص، وذلك بواقع تأثير الشائعات التى كان يطلقها ويبثها بن حليم بينهم.

إضافة لذلك، كان لرأي بن حليم السلبي ـ إزائي ـ عند سلطات بعض الحكومات العربية الدور الأكبر فى إحجامها عن مد يد العون للإتحاد الدستوري الليبي ومساعدته فى تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة.

 ** * **

 

وبعيداً عن الوقوع تحت طائلة تكوين الرأي المتأثر بالعواطف والمواقف الشخصية، وفى محاولة للتمسك بروح المنطق والعقل فى تدبير الأمور، فأننا لو أمعنا النظر فيما حدث، لوجدنا عقولنا تُشير لنا بأنه مثلما فقد الإتحاد الدستوري الليبي شخصية وطنية بارزة وفاعلة، كانت ستنهض به لتحقيق الغاية المأمولة، وهى شخصية الأستاذ عبد الحميد البكوش، فأنه ـ على نفس المنوال ـ قد فقد بالمثل شخصية الأستاذ مصطفى بن حليم الذى ناصب هذا التوجه الوطني العداء غير المبرر، فى الوقت الذى كانت مؤازرته ـ المفقودة ـ ستحدث الفرق المطلوب فى معادلة تحقيق الشعب الليبي لحلمه المنشود.

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

11 أغسطس 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لقد كان مصطفى بن حليم فى بعض الأحيان يناديني ـ مازحاً ـ بـ جدي، وذلك للشبه المتناهي إلى حد التطابق بيني وبين جدي محمد بن غلبون (رحمه الله)، والذى لا أشترك معه فى الشبه الدقيق فحسب، بل أشاركه ـ فوق ذلك ـ فى حمل نفس الأسم.

[2] يعنى الملك، لقد كان بن حليم مثل الكثيرين من الليبيين، لديه عقيدة فى كرامات النسل المبارك الذى ينحدر منه الملك إدريس (رحمه الله).

[3] لعل أصغر أبناء مصطفى بن حليم يقاربني فى السن، ومن ثم فأنا بالنسبة له بمثابة أصغر أبنائه سناً. ومن هنا فإن بن حليم كان يرمى من وراء قوله المشار إليه أعلاه، بإنه رغم جودة الفكرة التى أطلعته عليها، ورغم صلاحها لتحقيق أهداف الشعب الليبي المنشودة، فأنها ليست بجديدة عليه، وأنه لم يكن لينتظر مني وأنا الطفل الصغير أن أتدرج فى النمو العمري حتى أبلغ مرحلة الرجولة لأتقدم إليه من أجل إبداء رأيه فيها، وهو الذى تفتق ذهنه عنها منذ زمن بعيد !!.

[4] المري: فى اللهجة الليبية القديمة تعنى النساء، والمعنى المقصود فى كلام بن حليم واضح، أي أنه شعب من النساء، وليس الرجال.

[5] أنظر للتفاصيل فى الجزء .الثالث من هذه المقالة.

[6] بعد سنوات من حدوث هذا الموقف، نشرت جريدة واشنطن بوست في عددها الصادر بتاريخ 12 يونية 1985 مقالة للكاتب الأمريكي جاك أندرسون، الذى عُرف عنه أنه يستقى معلوماته الصحفية من إدارة الحكومة الأمريكية مباشرة، وقد تطرق فى مقالته لموقف مصطفى بن حليم السياسي إزاء المعارضة الليبية. وفيم يلي ترجمة للجزء الذى يتعلق بموقف بن حليم ـ المنوه عنه ـ فى داخل تلك المقالة: " لقد دعم السعوديون الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بما لا يقل عن سبعة ملايين دولاراً أميريكياً. وتم فى هذا الإطار إستخدام مصطفى بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) الذي يعمل ـ فى الوقت الحالي ـ كمستشار للمملكة السعودية، ويقوم بدور الوساطة بين حكومتها وبين المقريف ".

لقد أرفقت أدناه نسخة من المقالة المشار إليها، لعل القارىء يجد فيها تفسيراً لبعض التساؤلات المثارة.

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم الجمعة 11 أغسطس  2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الجزء السابع

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

رمضان سالم الكيخيا ..

يُعد الحاج رمضان الكيخيا (رحمه الله) من الشخصيات الوطنية البارزة على نطاق مدينة بنغازي، فقد عُرف عنه ـ بين أقرانه وأبناء جيله ـ إنه صادق الوطنية وغيور على مصلحة الوطن، فلم يبخل فى يوم بجهده وما وسعت نفسه فى سبيل تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة.

وباليد الأخرى، كان ـ الحاج رمضان الكيخيا ـ من ضمن أولئك الوطنيين النشطاء الذين أسسوا جمعية عمر المختار المعروفة بتوجهاتها الوطنية المخلصة لأهداف الأمة الليبية، فلعله لا يخفى على أحد ـ من المتابعين والمهتمين بتاريخ وطننا المعاصر ـ ماحققته هذه الجمعية من مكاسب على مستوى نشر الوعي السياسي وزرع الحس الوطني العام بين أفراد مجتمعها، وذلك فى إطار الدوائر التى شملتها أنشطتها الإجتماعية والسياسية الهادفة.

ولقد كان للحاج رمضان الكيخيا فى الفترة التى أعقبت  الاستقلال بعض التحفظات حول التجاوزات ومواطن الخلل فى نظام الدولة الفتية، والذى ـ كان قد ـ نشأ من جراء التعصب والتسلط القبلي الذى شاب بعض أوجه أركان السلطة.

ولكن الحاج رمضان الكيخيا ـ فى نفس الوقت ـ كان شديد التمسك بالشرعية الدستورية المستمدة لقدسيتها من الدستور، الذى قام بوضعه ممثلو الأمة الليبية قبيل إعلان استقلال البلاد.

ومن هنا، فإنه عندما اطّلع ـ الحاج رمضان الكيخيا ـ على الفكرة التى يقوم على مفهومها الاتحاد الدستوري الليبي، لم يكن إعجابه بها وتأييده المطلق لتوجهها بالأمر الغريب عليه، فمن الطبيعي أن يفهم ويستوعب، هذا المخضرم الشديد الوطنية، عمق أهداف هذه الفكرة بكافة الأبعاد التى تحيط بها.

حيث أدرك الحاج رمضان الكيخيا ـ فى هذا الصدد ـ الهدف الأصيل الذى بنيت على أساسه هذه الفكرة بالمعنى القائم على تحقيق إعادة الشرعية الدستورية ـ فى حد ذاتها ـ لتكون النصاب الذى يرسى على قواعده أسس وأصول الحكم فى ليبيا، وليس تحديدها أو إقرانها بعودة نظام الحكم الملكي كهدف فى حد ذاته.

وهذا ـ بكل أسف ـ ما ذهب إليه بعض الآخرين من خلال رؤية قاصرة حددت لهم القصد من وراء فكرة الاتحاد الدستوري الليبي فى هدف استرجاع نظام الحكم الملكي بعينه، واعتقدوا ـ من ثمة ـ بأن الشرعية الدستورية الغائبة لا سبيل لعودتها إلا من خلال استعادة الملكية لعرش نظامها المعهود فى ليبيا.

ولم يكن الكيخيا الوحيد الذى استنبط القصد الصحيح من وراء الفكرة المطروحة، فقد شاركه فى فهمه الصائب بعض قلة من الآخرين، كان من بينهم عبد الحميد البكوش ومصطفى بن حليم ومنصور الكيخيا ومحمد بن يونس.

حيث فهم هؤلاء المخضرمون ـ جميعهم ـ إن الهدف من فكرة الاتحاد الدستوري الليبي هو السعى إلى إعادة الشرعية الدستورية التى أقرها الشعب الليبي بكامله قبل إعلان إستقلال البلاد، واختار لها النظام الملكي كشكل من أنواع أنظمة الحكم السائدة فى العالم المعاصر، مزكياً لها محمد إدريس السنوسي ملكاً فى إطار نظام برلماني يستمد شرعيته من قواعد الدستور الذى وضع بنود قوانينه ممثلو الشعب الليبي فى الفترة التى سبقت إعلان الاستقلال. وفى هذا الإطار، أصبح الملك إدريس السنوسي الممثل الشرعي للسلطة الدستورية القائمة فى البلاد.

ولم يكن لنظام الانقلاب العسكري الذىذ استولى على السلطة فى البلاد ـ سنة 1969م ـ بوسيلة غير شرعية أن يلغى ـ تلك ـ الشرعية الدستورية، أو أن يلغى صلاحيات ممثلها فى الحكم الملك إدريس السنوسي.

ورغم أنه قد تحقق للإنقلابيين ـ على أرض الواقع ـ إحكام السيطرة على زمام السلطة بالقوة، وتمكنوا من مباشرة حكم البلاد بسلطان القهر، إلاّ أن حكمهم ظل ـ وسيظل ـ من وجهة نظر القانون الدولي حكما غير شرعي.

ومن ناحية أُخرى، فقد كان ـ وسيظل ـ من حق أفراد الشعب الليبي السعي لإبطال سلطة النظام غير الشرعية فى حكم البلاد، والعمل على إعادة الشرعية الدستورية المغيبة إلى عهدها السابق، وإعادة ممثل تلك الشرعية محمد إدريس السنوسي ـ فى حياته ـ ليتولى مهام منصبه كحاكم للبلاد، نزولاً عند رغبة واختيار الشعب الليبي له ـ منذ البدء ـ وذلك حينما أُضفى عليه الصبغة القانونية المستمدة من قوة الدستور وشرعيته الوطنية.

ومن هنا، فقد أصبحت مهمة إعادة هذه الشرعية لنصابها الطبيعي فى البلاد، منوطة أمرها ومسئوليتها بالفئات المتمتعة بالوعي السياسي فى داخل المجتمع الليبي، والتى يقع أهل الحل والعقد على ربوع قمتها.

وذلك فى إنطلاق من البديهية المعروفة بأن شعوب العالم عامة، وشعوب العالم الثالث على وجه الخصوص، تتطلع فى تحقيق أهدافها الوطنية إلى تلك الثلة الواعية من أبنائها المخلصين، الذين يؤهلهم وعيهم وإدراكهم السياسي للاضطلاع بأمر النضال من أجل بلوغ تلك الأهداف المأمولة.

  ** * **

 

وهكذا، فإن مهمة إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى البلاد، كان لابد من أن يتصدر لها أفراد من الشعب الليبي ـ من ـ الذين أخذوا على عاتقهم أمر معارضة النظام غير الشرعي الذى يسيطر على مقاليد السلطة فى بلادهم، وذلك من خلال الوسائل الفاعلة والقادرة على بلوغ ـ هذا ـ الهدف المأمول، والتى تتراوح بين ممارسة الضغوط القانونية فى أروقة المحافل والهيئات الدولية لإثبات عدم شرعية النظام القائم فى ليبيا، ومطالبة المجتمع الدولي عن طريق مؤسساته القانونية بالانحياز إلى الحق البائن عن طريق فرض إعادة الشرعية الدستورية للشعب الليبي، خاصة إذا علمنا أن هذه الشرعية قد ولدت ـ فى المقام الأول ـ بقرار من هيئة الأمم المتحدة.

علاوة على هذه الوسيلة الأساسية، فأنه يتم فى نفس الوقت إتباع الوسائل الفاعلة لتوعية فئات الشعب الليبي المختلفة بحقهم الشرعي فى العيش تحت ظل دستورهم الذى بنيت على أركانه أول دولة ليبية فى التاريخ الإنساني قاطبة، وحثهم ـ من ثمة ـ على رفض حكم النظام العسكري الذى اغتصب سلطة الحكم بوسيلة غير شرعية.

وأن يتم فى هذا الإطار العمل على تجديد البيعة للملك إدريس السنوسي ـ فى حياته ـ من قبل مجموعة من أهل الحل والعقد فى البلاد، لكونه الرمز الممثل لهذه الشرعية، ويُعد هذا الأمر انصياعا لقوة وسلطة الشرعية الدستورية التى منحته منصب الحاكم على البلاد عند تأسسها فى المرحلة التى سبقت الإعلان عن الاستقلال.

وفى حالة تعذر عودة الملك لتولى مهام منصبه، يصبح ـ بهذه الكيفية ـ من حق الشعب الليبي اختيار شكل الحكم الذى يراه مناسباً وملائماً له، واختيار الشخص المناسب لمنصب الحاكم فى البلاد.

والمعنى هنا، أن وجود الملك ـ على قمة هذا التوجه ـ يعزز من قوة المطالبة بإعادة الشرعية الدستورية أمام المحافل الدولية لكونه الرمز الممثل لتلك الشرعية. ولكن من ناحية ثانية، لا يعنى عدم وجود الملك ـ البتة ـ انتفاء أو إلغاء وجود تلك الشرعية السابقة عليه، والمستمدة قوتها وسريان فاعليتها من الشعب ذاته الذى هو مصدر القوة الحقيقية فى إطار الكيان القائمة عليه أركان الدولة، أي أن قوة منصب وسلطة الملك ـ هى ـ فى الأصل مستمدة من الدستور الذى تقوم على كيانه تلك الشرعية، والذى ـ هو فى نفس الآن ـ قد تم وضعه من قبل الشعب بواسطة ممثليه، وليس للعكس صحة فى هذا المضمار.

ولكن البعض لم ير هذا القاسم الهام عندما تم طرح فكرة تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي عليهم، واتجهوا إلى ربطها بعودة النظام الملكي، أو بالأحرى ربطها بعودة الملك نفسه. وغاب عن ذهن هؤلاء فى هذا الغمار ـ كما نوهنا أعلاه ـ بأن الشرعية الدستورية التى أقرها الشعب الليبي بأكمله عشية إعلان الاستقلال، هى ركيزة أساسية وجوهرية فى بناء الدولة الليبية.

وهى ـ من هنا ـ غير مرتبطة بشخص الحاكم أو بشكل النظام القائم، ولا يملك شخص إلغائها، لأنها عقد جماعي أصدرته الأمة الليبية بكافة أفرادها، وسنت قواعده وبنوده فى هيئة دستور تم إقراره ليكون الراعي لحقوق أفرادها والمنظم لسلوك حكامها.

ومن ثمة، فإنه فى حالة وجود الملك، يتم تجديد مبايعته ليعود إلى تولى منصبه من خلال الشرعية الدستورية التى يمثلها بتفويض من الشعب الليبي، إما فى حالة امتناعه أو غيابه، فتفرض ـ هنا ـ الشرعية الدستورية نفسها على نطاق الدولة الليبية من خلال استبيان أفراد الشعب بأسره، بالطرق والوسائل الديمقراطية، حول تحديد نوع النظام الذى يرغبه فى الحكم (ملكي، جمهوري، مجالس شورى .. إلخ)، ومن ثمة اختيار الشخص أو الأشخاص الذين سيتولون إدارة زمام سلطة الحكم فى ظل الدستور الشرعي الذى يتم تعديله أو تنقيحه بما يتلائم مع الإختيارات التى يتوصل إليها أفراد الشعب ويتم إقرارها حول شكل نظام الحكم المرغوب.

هذا المعنى السابق، لم يتوصل الكيخيا لإدراكه بمفرده، كما سبق الإشارة أعلاه، فقد شاركه البعض القليل فى استيعاب هذا الفهم السليم لفكرة تأسيسالاتحاد الدستوري الليبي.

 

 ** * **

لقد واظبت على رؤية الحاج رمضان الكيخيا واللقاء به فى جميع زياراتي المعتادة لوالدي فى مدينة الإسكندرية، فقد كانت تجمعهما صداقة حميمة، وكُنت فى كل مرة أرى الكيخيا فيها، يسوقنا الحديث عن النشاط الجاري للاتحاد الدستوري الليبي.

وكان، فى هذا الصدد، لا يبخل بملاحظاته السديدة التى صقلتها ـ له ـ تجاربه العميقة الممتدة لعقود زمنية طويلة، وكان (رحمه الله وجعل مثواه الجنة) من بين قلة ـ الذين ـ جادوا علي بمساندتهم المعنوية، فى الوقت الذى شح بها الكثير من الآخرين.

 ** * **

 

الشيخ منصور المحجوب ..

لقد حرص القائمون على الاتحاد الدستوري الليبي، منذ البداية، على مخاطبة أهل الحل والعقد فى المجتمع الليبي، وذلك لكونهم يمثلون القوة الاعتبارية والمعنوية التى ـ من المفترض ـ أنها تملك إمكانية الرؤية الجلية فى تحديد السبل القويمة التى يمكن تبنيها لتحقيق المصلحة الوطنية.

ومن هنا فقد تم الاتصال برؤساء الوزراء الأسبقين : السيد محمد عثمان الصيد، الأستاذ عبد الحميد البكوش، السيد مصطفى بن حليم، وبالشخصيات ذات المكانة والوجاهة الإجتماعية مثل الحاج محمد السيفاط، والأستاذ منصور رشيد الكيخيا، والحاج رمضان سالم الكيخيا والأستاذ محمد بن يونس والشيخ منصور المحجوب، والحاج رجب بن كاطو وتلاهم ـ فى هذا السياق ـ من بعد ذلك الاتصال بشخصيات أُخرى سيرد ذكرها فى الأجزاء القادمة، والتى تقع ـ جميعها ـ ضمن حيز دائرة أهل الحل والعقد فى المجتمع الليبي. 

كان الشيخ منصور المحجوب، الذى تولى مناصب رفيعة فى العهد الملكي[1]، لاجئا سياسيا فى الأراضي السعودية، وكان يقيم بمكة المكرمة فى رحاب الحرم المقدس.

وقد كان ـ الشيخ المحجوب ـ أحد الشخصيات الليبية التى انصب اهتمام القائمين على الاتحاد الدستوري الليبي للاتصال بها من أجل تعريفها بفكرته وتوجهه المرسوم، ودعوتها للانضمام إليه أو مساندته ومؤازرته بالقدر الذى تسمح به ظروفها السياسية.

وهكذا، قمت بإرسال مطبوعات ومنشورات الاتحاد الدستوري الليبي التى تُعلن عن تأسيسه وقيامه وتشرح فكرته عن طريق البريد للشيخ منصور المحجوب فى مقر إقامته بالسعودية. وأعقبت ذلك ـ بعد فترة وجيزة ـ برسالة شخصية استفسره فيها عن رأيه فى فكرة الاتحاد الدستوري الليبي التى حملته له المطبوعات التى أرسلتها له. وجاءني رد الشيخ المحجوب برسالة يُفيد فيها بأنه لم تصله أية مطبوعات تخص تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي[2].

فما كان مني إلاّ أن أرسلت له ـ مع ـ مبعوث من طرفي بنسخ أخرى من تلك المطبوعات، سلمها له باليد. وفى حينه قال الشيخ المحجوب لمبعوثي ـ المؤتمن ـ بعد إطلاعه على تلك المطبوعات، إنها فكرة جيدة وليبارك الله خطى القائمين عليها.

ثم استرسل فى القول ـ لمبعوثي ـ بإنه بعد وصول رسالتي له ورده عليها، قد اطلع من بعض العارفين على أمر تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي وفهم كنه فكرته، وأعجب بها. وإنه ظن على الفور بأن هذه الفكرة ـ لابد وأن ـ تكون وليدة إلهام مصطفى بن حليم، أو ـ على الأقل ـ أن يكون بن حليم من وراء انبثاقها للعلن ! [3].

حيث ربط الشيخ منصور المحجوب ـ فى هذا الصدد ـ بين عامل القرابة الذى يصلني بإبن حليم وبين تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، معتقداً بأن بن حليم ـ لابد وأن يكون ـ قد اختارني كواجهة لنشاط تحقيق فكرته فى إعادة الشرعية الدستورية لليبيا !.

واعتقد المحجوب، فى هذا المنوال، بإنه إذا لم تكن هذه الفكرة من صميم إلهام بن حليم وتدبيره، فإنه ـ والحال كذلك ـ لابد وأن يكون يقف وراء دعمها والدفع بها إلى النجاح، وذلك لكونها ـ من ناحية ـ وحسب اعتقاد المحجوب قد لاقت إعجاب وقبول بن حليم. ومن الناحية الأخرى، فقد كان لفروض صلة القرابة تأثيرها وسطوتها على بن حليم لتقديم العون والمساعدة والشد من أزري فى هذا الخصوص.

وقال الشيخ المحجوب لمبعوثي فى حينه، بإنه بناءاً على الاعتقاد السابق ـ الخاطىء ـ قد قام بتهنئة مصطفى بن حليم على هذا التوجه السديد عندما التقى به عقب إطلاعه على أمر الاتحاد الدستوري الليبي. لكنه فوجىء بردة فعل بن حليم الغاضبة التى استهجن فيها مؤدى افتراضه الذى يربطه ـ أي بن حليم ـ بفكرة الاتحاد  الدستوري الليبي، والذى وصف توجهه بالنهج الأخرق، ونعت صاحبه بالجنون.

واسترسل الشيخ المحجوب فى حديثه لمبعوثي بأن بن حليم الذى كان غاضباً بشكل لم يره عليه من قبل قد نوه له بأن يبتعد عن الاتحاد الدستوري الليبي وصاحبه، وقال له بأن يتذكر دوماً بأنه لاجىء سياسي فى بلد لا تقبل سلطاته من المقيمين على أرضها مزاولة أية نشاطات سياسية قد تتسبب فى إحراجها مع الدول الأخرى، وهى فى هذا الخصوص لا تتهاون مع من لا يحترم آداب الضيافة على أرضها.

وهكذا، قدم الشيخ المحجوب اعتذاره لمبعوثي على عدم إمكانه الانخراط أو مساعدة القائمين على الاتحاد الدستوري الليبي، هذا على الرغم من احترامه وتقديره الشديد لي، وإعجابه المفرط بفكرة الاتحاد الدستوري التى يتمنى من الله أن يباركها حتى تصل إلى أهدافها المأمولة.

وانقطعت صلتي بالشيخ المحجوب حتى سنة 1997م، حيث قابلته فى أثناء زيارتي للأماكن المقدسة، فرحب بي كثيراً، وداعبني مازحاً بقوله: "لماذا لم تبق على سنك الصغيرة المتوجة بالشعر الأسود الذى كان يعلو رأسك ويكسو ذقنك فى الصورة التى كانت تضمك مع الملك إدريس (رحمه الله) ؟ إن قضية إعادة الشرعية الدستورية تحتاج أن يرتادها ويقودها شباب الوطن وليس كهولته، فقد ساد الاعتقاد على مدى الدهور الماضية بأن الملكية فى ليبيا ـ والتى تمثل الشرعية الدستورية فى البلاد ـ كانت دائماً مرتبطة بالمتقدمين فى السن من الكهول، حتى جاءت مناداتك بعودتها عن طريق الاتحاد الدستوري الليبي، وأنت الشاب الصغير، لتبطل هذا الاعتقاد وتؤكد على أن الشباب له ـ هو الآخر ـ اهتمام بها ".

وكان يقصد بدعابته ـ تلك ـ أن مظهري قد تغير منذ رآه فى صورتي مع الملك إدريس التى أخذت فى أوائل الثمانينات من القرن المنصرم، بينما شكلي الحالي ـ عندما التقيته ـ يبدو عليه مظاهر التقدم فى السن، وذلك بعد أن اشتعل شعري بلهيب الشيب، بينما صورتي السابقة مع الملك ـ التى أشار لها ـ لم يكن للشيب مكان فيها.

 ** * **

رجب بن كاطو ..

 

يُعتبر رجب بن كاطو (رحمه الله) أحد الشخصيات المرموقة فى ليبيا، حيث تولى إبان العهد الملكي مناصب وزارية مختلفة، وشارك ـ فى بعض فترات ذلك العهد ـ فى صناعة القرار السياسي.

وكان ـ بن كاطو ـ معروفا بين معاصريه بقوة الشخصية والصلابة فى مواقفه التى يتخذها تعبيراً عن قناعاته الخاصة.

ولقد قمت بالاتصال بالسيد رجب بن كاطو فى فترة الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، لإعلامه بكنه فكرته وأهدافه المرسومة، وذلك من خلال المنشورات والمطبوعات السابق الإشارة إليها، والتى تم إرسالها لبقية الشخصيات الليبية التى تناولتها هذه المقالة، أو ـ تلك ـ التى سيأتى الذكر عليها فى الأجزاء القادمة.

وجاءني رد بن كاطو فى رسالة دافئة عبر فيها عن مكنون معزته الشخصية لي، وتأييده المعنوي لتوجهي الذى بلورته فكرة الاتحاد الدستوري الليبي[4].

ورغم إن بن كاطو لم ينخرط فى عضوية الاتحاد الدستوري الليبي، ولم يسهم أو يدعم نشاطاته، وظل طوال الوقت، منذ الإتصال به وحتى مماته، على قدر من التضامن المعنوي، إلا أنه ـ من ناحية أُخرى ـ كان خير عضد وسند لوالدي[5] (رحمه الله) فى مواجهة ـ تلك ـ الحملة الشعواء التى كان يقودها الحاج محمد السيفاط والأستاذ عبد الحميد بن حليم، والتى تم الإشارة إليها فى بعض فقرات الأجزاء السابقة.

ومن الجدير بالذكر ـ فى هذا الخصوص ـ الإشارة إلى موقف معين حدث فى مدينة الإسكندرية، عله يبين ـ على سبيل المثال وليس الحصر ـ عمق مناصرة رجب بن كاطو لوالدي فى تلك الآونة.

وكان ذلك، عندما حل والدي ضيفاً على مآدبة غذاء جمعت معظم الليبيين المقيمين فى مدينة الإسكندرية، وضمت على رأسها الحاج محمد السيفاط والأستاذ عبد الحميد بن حليم، وكعادة الآخيرين ـ ومن فى ركبهما ـ أن أنهالوا على والدي بسيل من الإنتقادات اللأذعة لتوجهي السياسي.

ولم يملك والدي بعد أن زادت حدة سعير تلك الإنتقادات، وتحولها إلى زبدٍ لغطي ـ هو ـ أقرب إلى التجريح، وأبعد مكاناً عن الموضوعية، إلاّ أن ربأ بنفسه وغادر ذلك المكان الذى ضمته المأدبة المعنية، وذلك بعد أن فشل فى إقناع مقارعيه بإلتزام الموضوعية حول الموضوع المثار.

وكان رجب بن كاطو (رحمه الله) هو الشخص الوحيد الذى غادر المكان، اعتراضاً وتعبيراً عن الرفض لمظهر ذلك السلوك الذى اعتبره غير سوي، ودفعه ـ من ثمة ـ إلى التضامن مع والدي من خلال رفضه المكوث فى مجلس تسوده روح أهواء غير مسئولة.

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

29 اغسطس 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لقد تقلد الشيخ منصور المحجوب منصب رئيس المحكمة العليا وكذلك منصب.رئيس جامعة الامام محمد بن علي السنوسي الإسلامية.

[2] مرفق أدناه صورة من رسالة الشيخ منصور المحجوب (ملحق رقم 1).

[3] لم يكن الشيخ منصور المحجوب الشخص الوحيد الذى تكون لديه الاعتقاد بأن فكرة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي نابعة من إلهام فكر مصطفى بن حليم، أو أنه يدعمها ويقف من ورائها، فقد تكرر هذا الموقف مع عدة أشخاص آخرين كانوا يحملون نفس هذا الاعتقاد.

[4] مرفق أدناه صورة من رسالة السيد رجب بن كاطو المشار إليها أعلاه (ملحق رقم 2).

[5] لقد جمعت بين والدي ورجب بن كاطو صداقة متينة امتدت على مدى دهور طويلة.

 

ملحق رقم (1)

 

ملحق رقم (2)

 

نشرت هذه الحلقة يوم الثلاثاء 29  أغسطس  2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الجزء الثامن

 

 [2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

الحاج خليفة الزروق ..

لم يسبق لي ـ قبل تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي ـ أن عرفت أو سمعت بالبليونير الليبي الحاج خليفة الزروق، النازح من منطقة غريان، والمقيم بالقاهرة، التى يدير منها أعماله استثماراته بوضع أثير ومكانة خاصة هيأتها له الحكومة المصرية.[1]

أوعز لي أحد الأصدقاء من مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي ـ الذى ـ كانت تربطه علاقة وثيقة وحميمة بالحاج خليفة الزروق، أن اقوم بالاتصال به من أجل الحصول على دعمه المادي والاستفادة من صلاته الواسعة ونفوذه فى الأوساط السياسية العربية (خاصة فى مصر).

لم يكن للحاج خليفة الزروق ـ على الأقل بالنسبة لمعلوماتي الخاصة ـ سمعة أو شهرة وطنية يستطيع المرء بها الحكم على توجهاته، كما لم يكن من أصحاب الفكر أو العلم الذائع. فهو لا يعدو عن كونه إنسان عصامي حقق ثروته الطائلة بطريقة ما.

ولعله من المهم بمكان أن يتم الإشارة فى هذا الخصوص إلى أن مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي قد تبنوا ـ عند تأسيسه ـ خطا بائنا، مفاده أن يتم السعى للحصول على مصادر تمويلية لنشاطاته من العناصر الليبية الوطنية المهاجرة صاحبة السعة فى الرزق.

وترجع أسباب ذلك لثلاث معايير التزم بها أعضاء ومؤسسو الاتحاد الدستوري الليبي واتفقوا على العمل بها منذ البداية، وهى:

1.    أن يقتصر تمويل نشاط الاتحاد الدستوري الليبي على العناصر الليبية الصرفة. (ولعل الحكمة من وراء ذلك جلية وواضحة)

2.    أن يتم الاستعانة بصلات بعض العناصر الليبية الواسعة فى داخل الدوائر السياسية العربية والأجنبية من أجل كسب تأييد ومؤازرة دولها لتحقيق المطالب الوطنية الليبية المتمثلة فى تحرير الشعب الليبي من حكم النظام الفاسد، واسترجاع الشرعية الدستورية ـ المغدورة ـ إلى نصابها المعهود.

3.    محاولة إقناع بعض الشخصيات الليبية من أهل الحل والعقد بتولى زمام قيادة الاتحاد الدستوري الليبي، من أجل الاستفادة من خبراتهم القيادية وصلاتهم الواسعة فى هذا المجال، وذلك حتى تتحقق بجهودهم الأهداف الوطنية المأمولة.

 

وهذا على وجه الدقة والتحديد ما دفعني لمقابلة الحاج خليفة الزروق فى مكتبه بالقاهرة بعد أن رتب لي صديقي المشار إليه أعلاه موعداً معه، حيث كُنت عاقد الأمل على إقناعه بتمويل الاتحاد الدستوري الليبي من ناحية، وأن يستخدم نفوذه واتصالاته وصلاته فى الدوائر السياسية العربية للتعريف بقضيتنا العادلة من ناحية أخرى.

وقد تم تحديد الموعد مع الحاج خليفة الزروق فى الوقت الذى كُنت فيه متواجدا بالقاهرة فى شهر ديسمبر من عام 1982م، التى كُنت قد أتيتها من أجل الالتقاء بمجموعة من الشخصيات الليبية.

قابلني الحاج خليفة الزروق بحفاوة بالغة، وأكرم استقبالي، لكنه اشترط عليّ بعد أن توغل بنا الحديث حول تمويل نشاطات الاتحاد الدستوري الليبي ـ الذى كان ملما بكافة أبعاده وأهدافه قبل لقائه بي فى ذلك اليوم ـ أن يتم تسليم الأموال التى سيسهم بها فى هذا الخصوص إلى الملك إدريس شخصياً !!.

وقد ادهشني طلبه من عدة وجوه، حاولت أن أطرحها عليه كرد على مطلبه، ومثلتها له فى النقاط التالية:

        إن الملك إدريس ـ كما سبقت الإشارة ـ ليس له علاقة مباشرة بالاتحاد الدستوري الليبي، فهو ليس رئيساً له أو عضواً فيه. وهو ـ فى هذا السياق ـ لا يعدو كونه الرمز الذى يمثل الشرعية الدستورية، التى يأمل ويسعى القائمون على الاتحاد الدستوري الليبي لإعادتها إلى نصابها الطبيعي فى البلاد.

        إن الملك إدريس ـ ومنذ البداية ـ قد اشترط عدم إقحامه فى ترتيبات إدارة الاتحاد الدستوري الليبي، أو فى أية نشاطات متعلقة بطبيعة عمله وخططه السياسية المرسومة، وذلك ـ وكما سبقت الإشارة فى مواقع أخرى من هذه المقالة ـ لالتزامه من ناحية بآداب الضيافة للبلد الذى يحل به، ولأنه من ناحية أخرى لم تعد صحته تسعفه لمثل هذه المهام التى عافها وابتعد عنها بمحض إرادته عندما غادر البلاد فى أغسطس 1969م.

        وعلى سبيل الافتراض، إذا ساقتنا غوليتنا إلى التغاضي عن الأسباب السابقة، وأمعنا فى تجاهلها، فأنه فى هذه الحالة ستواجهنا عقبة أخرى عويصة، لن نجد ـ لنا ـ حيالها حلاً مرضياً، وهى المتمثلة فى أن الملك إدريس لم يحمل فى حياته نقودا، ولم يستلم فى يوم نقودا أو تعامل بها، فقد كان هناك على الدوام من ينوب عنه فى التصرف والتعامل مع النقود، وهذا ينطبق ـ أيضاً ـ على الفترة التى سبقت اعتلائه عرش حكم ليبيا. وأصبحت أكثر حدة وبروزاً بعد توليه حكم البلاد، حيث سخر له ـ من قبل الدولة ـ موظف مختص يقوم بتدبير شئونه المالية المتعلقة بمعيشته. ومن هنا يصبح إصرار تسليم الملك مبالغ مالية لا تخصه ـ لكونها موجهة لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي ـ هو عمل غير لائق، ولا فائدة تُرجى من ورائه سوى إلحاق الإهانة والأذى النفسي بشخص الملك الذى وضع منذ صغره حاجزاً بينه وبين المال أو التعامل به.

 

** * **

ورغم وجاهة ومنطقية الأسباب السالفة الذكر، إلاّ أنها لم تلاق من الحاج خليفة الزروق الفهم المفترض، و استفاض فى إصراره بطلبه على الأقل أن يتم حصوله على إيصالات موقعة من الملك ذاته دون سواه !!.

وقلت للحاج خليفة الزروق ـ فى حينه ـ بأن مطلبه غير منطقي ولا يقبله العقل والفهم السديد، فالملك للأسباب التى ذكرتها ـ له أعلاه ـ لا يعنيه الأمر من بعيد أو قريب، فلماذا الإصرار على محاولة إقحامه فيم لا شأن له به !!.

وقلت للحاج خليفة الزروق فى سياق الحديث، بأنه لا مانع لدى من أن أرتب له موعداً لزيارة الملك والتحدث معه فى الشئون الإجتماعية، والاطمئنان على صحته، وبث نوع من الإهتمام والود الذى يحتاجه وأفراد أسرته فى غربتهم، وفى العزلة القارصة التى يكابدونها. وأوضحت له بأن مثل هذه الزيارة للملك وأسرته من شخص فى وضعه ومكانته التى يُحظى بها فى مصر، من شأنها أن تجلب فائدة متعددة الأوجه للملك وأسرته.

لكن الحاج خليفة الزروق، لأسباب لا أعلمها ـ ولكن يمكن التكهن بها ـ رفض مثل هذا العرض، ورفض الاقتناع بالأسباب التى ذكرتها له، وأصر بإلحاح مميت على نفس الأمرين، إما تسليم المبالغ المالية المراد تسخيرها لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي للملك ذاته وحصوله منه على رسالة شكر !! أو أن يتم تزويده بإيصالات عن قيمة المبالغ المدفوعة، تكون محررة من قبل الملك ـ ذاته ـ وممهروة بتوقيعه الشخصي !!.

 

بعد مجاهدة ومناهدة طويلة كاد يكل فيها فكري ولساني عن إقناع الحاج خليفة الزروق بوجهة نظري التى تدعمها الأسباب ـ الأصيلة المنطق ـ السالفة الذكر، والتى كان يقابلها من جانبه بالتصلب والتمسك برأيه المجافي لروح المنطق، والمجحف إلى حد قاتل بأصول الموضوعية العادلة. وبعد أن أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإنصراف دون الوصول معه إلى اتفاق تحترم من خلاله المبادىء النبيلة والأحاسيس والمشاعر الإنسانية للأطراف صاحبة الشأن فى هذا الخصوص، قبل الحاج خليفة الزروق فى نهاية الأمر القيام بزيارة الملك بصحبة زوجته وأولاده، وبتقديم هبة مالية للملك تعينه وتساعده على مشقة العيش فى غربته وكهولته البالغة، على أن أقدمه للملك بصفته المصدر الممول لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي، مع الحرص على أن يكون ذلك بطريقة لا تضطر الملك للتعليق على الأمر.

وبناءا عليه تم الإتفاق مع الحاج خليفة الزروق على تمويل الاتحاد الدستوري الليبي فى نشاطاته الساعية إلى تحقيق الأهداف الوطنية السالفة الذكر على الفور. ومن هنا، زودته برقم الحساب المصرفي للاتحاد الدستوري الليبي حتى يقوم بإيداع المبالغ المالية المرصودة له.

ولكن ـ وبكل أسف ـ لم يف الحاج خليفة الزروق بأي من التزاماته التى قطعها على نفسه، ومن ثمة حاولت، كما حاول صديقي الذى تربطه به صداقة، الاتصال به لحثه على تنفيذ وعوده، فكان يقابل اتصالاتنا بالتسويف والمماطلة المتكررة.

بعدئذٍ، انقطعت أخبار الحاج خليفة الزروق عني لفترة، سمعت فى أعقابها أنه قد انضم لفصيل الأستاذ عبد الحميد البكوش، وقام بإغداق مال لبد على تمويله. ثم نمى إلى علمي بعد حين آخر أنه عاد إلى ليبيا بعد أن سوى أوضاعه مع النظام الفاسد !!.

 

** * **

محمد بن يونس ..

إلى جانب المعرفة الشخصية، كانت هناك رابطة قرابة تصلني بالسيد محمد بن يونس، الذى منحه وضع أسرته المالي البارز، والمناصب التى تقلدها فى العهدين ـ الملكي والعسكري[2] ـ وجاهة ازدانت وازدهرت بملكة ذكائه الحاد وفكره المحصن بوعي سياسي واجتماعي ملحوظ.

وقد أكتست شخصية محمد بن يونس هالة من الوقار والهيبة بين رفاقه المبهورين ـ دوماً ـ بهيلمان السمات السالفة الذكر، والتى يتبلور قمة سحرها ـ لديهم ـ فى بريق سمتي الجاه والمال. وهذا الأمر لا يعد سلوكا شاذا ـ من جانبهم ـ يبعث على الدهشة أو الاستغراب، كما أنه ليس بالسلوك النادر والقاصر ـ بعينه ـ عليهم.

فهذا السلوك ـ من وجهة نظر مختلفة ـ يكاد يكون أمراً طبيعيا وشائع الإنتشار بين أهل المدن فى مجتمعات العالم الثالث، ولو أراد المرء أن يبحث ـ فى هذا الصدد ـ عن مثال حي يتجلى فيه ذيوع مثل هذا السلوك لاختار بثقة راجحة مدينتي بنغازي وطرابلس.

والمهم هنا، هو إن هذا الانبهار والإعجاب الذى كان يكنه رفاق ابن يونس لشخصيته الجديرة بالانتباه، قد انعكس على أرض الواقع فى جعله صاحب الكلمة العليا ـ الفاصلة والنافذة والمطاعة ـ بينهم كلما جمعهم فى يوم اللقاء.

 ** * **

وهكذا، أرسلت، فى فترة تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، للسيد محمد بن يونس ـ الذى كان يقيم فى ذلك الحين بمصر ـ الكتيبات التى تشرح فكرة توجهه، والتى دعمتها برسالة تفصح عن إعلان تأسيسه. ولم أتلق منه رداً على رسالتي التى كررتها فى ظن بأن الأولى لم تصله بفعل سعاة البريد ! ولم يكن نصيب الرسالة الثانية من الحظ أكثر من سابقتها، حيث لم يصلني عنها رد هى الأخرى، وبهذا يمكن تبرئة ساحة سعاة البريد من اللوم !.[3]

فى خريف عام 1982م، أتى السيد محمد بن يونس إلى مدينة مانشستر لزيارة شقيقه مصطفى ـ المقيم بها ـ وكان برفقته السيد يوسف الشيباني والسيد علي السلاك.

اتصل بي السيد محمد بن يونس طالباً مني الإلتقاء به، فدعوته ورفاقه إلى منزلي على مائدة العشاء، التى امتدت سهرتها حتى الساعات المبكرة من صبيحة اليوم التالي.

وقد أحسست ـ فى حينه ـ بأن اتصال محمد بن يونس بي، وطلبه مقابلتي، لم يكن فى مجمله ـ خالصاً ـ للاطمئنان على أحوالي الخاصة وأوضاعي الأسرية. فقد ألمح فى حديثه منذ البداية أنه قدم لمناقشة كنه الاتحاد الدستوري الليبي، وفى تلك اللحظة ـ بالذات ـ سألته إذا ما وصلته رسائلي التى بعثتها له فى مطلع السنة الجارية، والتى أرفقت له معها كتيبات الاتحاد الدستوري الليبي، فأجاب بنعم ! وبرر عدم رده على رسائلي بإنه قد رأى من الأنسب أن يؤجل ذلك لحين الإلتقاء بي شخصياً !.

وهكذا، دار النقاش فى تلك الليلة حول فكرة الاتحاد الدستوري وتوجهه، والتى أثنى الحاضرون عليها بعد أن شدت إعجابهم، وقال بن يونس، فى ذلك الصدد، بإنه يرى فيها الفكرة الملائمة التى يمكن لها ـ إذا تم الإلتفاف حولها ـ أن تحقق أمل شعب ليبيا فى التخلص من النظام العسكري الحاكم، وإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد.

فما كان مني ـ والحال كذلك ـ إلا أن عرضت عليه الانضمام الى الاتحاد الدستوري الليبي من أجل أن يقوده نحو تحقيق الهدف المنشود، وهذا ـ على وجه التحديد ـ ما فعلته من قبل مع عبد الحميد البكوش ومنصور رشيد الكيخيا، وذلك فى انصياع لسياسة ـ حرصت على اتباعها ـ يؤدى مفضاها إلى تصدير الشخصيات الليبية المأثورة من أهل الحل والعقد لقيادة هذا العمل الذى يحتاج بشدة إلى نفوذها، وصلاتها الواسعة، وخبرتها الطويلة فى المجال السياسي، حتى يتم له النجاح المطلوب.

طلب محمد بن يونس مني مهلة لتمحص الأمر وتدبيره، فهو فى حاجة إلى وقت كاف للتفكير فيه بتروى، والتشاور حوله مع بعض من رفاقه فى ساحة العمل الوطني، وإنه سيقوم بالرد علي بخصوصه فى وقت لاحق. فقلت له بأني قادم إلى القاهرة فى غضون الشهور التالية، وسأقوم حينئذ بزيارته لمعرفة رده فى هذا الشأن.

 

وفى شهر ديسمبر ـ من نفس السنة ـ توجهت للقاهرة، وما أن استقر بي المقام فيها حتى اتصلت بالسيد محمد بن يونس عبر الهاتف، وأبرمت معه موعداً لزيارته فى مقر سكنه، من أجل التعرف على رده ـ ووجهة نظره ـ حول عرضي المنوه عنه أعلاه.

وفى الموعد المضروب، وفى داخل بيت محمد بن يونس ـ بالقاهرة ـ وجدته فى انتظارى مع ثُلة من رفاقه المقربين، كان بينهم السيد يوسف الشيباني والأستاذ سامي الجربي والدكتور محمد القندوز.

وما أن بدأت فى شرح وتوضيح فكرة الاتحاد الدستوري الليبي لابن يونس ورفاقه الحاضرين، حتى انبرى سامي الجربي بمهاجمة الملك إدريس بإسلوب استفزازي كان جل معناه بأن الملكية غير مرغوب فيها بين الليبيين، بعد أن عفى عنها الزمن وعافها !!. وإن توجه الاتحاد الدستوري الليبي، فى هذا الإطار، محكوم عليه بالفشل المحتوم، لأنه حبس كيانه ـ بتأثير من قصر النظر والرؤية المحدودة ـ فى قالب الإرتباط بالملك والملكية !!.

وقد كُنت ـ فى البداية ـ محتفظ برباطة جأشي أمام تراهات الجربي وكلامه غير المنطقي، وكُنت على وشك الرد عليه بما يقنعه ببطلان كلامه الخارج عن حدود اللياقة والموضوعية، والبعيد عن الصحة كبعد الحق عن الباطل. غير إنه لم يمنحني الفرصة لمحاورته، وواصل حديثه غير المتحلى بآداب الحوار الجاري، والذى لا يليق الخوض فيه، متمادياً فى استهزائه بالملك إدريس (رحمه الله)، حيث قال فى معرض حديثه الساخر:

" هل الملك ـ حقيقة ـ مازال على قيد الحياة أم إنه مات ؟ إنه من الحفريات القديمة التى دثرها الزمن ونساها !! ولا أعقل البتة أنه لا يزال على قيد الحياة !! وأخال بأن المصريين قد حنطوه، فهم بارعون فى فن التحنيط الفرعوني، وذلك حتى يبقوا عليه كخيال من الفزاعة يستعملونها عندما يقتضى الأمر لذلك !! ".

فى تلك اللحظات التى كان يزبد فيها الجربي بسخف كلامه المستهزئى بالملك، بدون أدنى مراعاة لقيم الآداب السلوكية، ما كان مني إلاّ انبريت لتقريعه برد يلزمه حدود الآدب الذى لم يصونه، لكن محمد بن يونس كان أسرع مني لتلقف طرف الموقف من خلال قيامه بلوم الجربي على كلامه المعيب.

ومن هنا، لم يكن من المعقول الاستمرار فى الحديث حول الموضوع الذى أتيت من أجله، بعد أن سمم الجربي الجلسة بكلامه غير المسئول، ولبدها بجو لا يصلح معه النقاش فى ذات الموضوع، ومن ثمة انتحى الحديث فى تلك الجلسة مجرى آخر له، لكى تهدأ وتخلد النفوس إلى سكينتها المعتادة.

وفى نهاية تلك الجلسة وجه يوسف الشيباني الدعوة لي ولبقية الحاضرين للالتقاء فى منزله على مأدبة غذاء بعد يومين، لاستكمال الحديث الذى لم نبدأه بعد.

وهكذا أنفض ذلك اللقاء الذى كان من المفترض أن يدور حديثه حول فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، ليأخذ له ـ عوضاً عن ذلك ـ منحى منحرفاً ساده لغط كلامي لم يكن له ما يبرره.

 

** * **

التقيت بالسيد محمد بن يونس ـ مجدداً ـ فى منزل يوسف الشيباني بعد يومين من لقائنا الآخير، وهناك قال لي ـ ابن يونس ـ بأن الفكرة التى بنى الاتحاد الدستوري الليبي أهدافه الوطنية على عمادها، هى الفكرة الصائبة لمرحلة الكفاح الوطني من أجل تحرير ليبيا من حكم العسكر، وأنه من المحزن أن يتبرم عنها المعارضون ولا يساندونها.

وقال السيد محمد بن يونس مواصلاً حديثه حول فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، بإن معظم المعارضين المنضوين تحت فصائل وتنظيمات معارضة ذات ثقل مبين، يؤرقهم ويقلق مضاجعهم وجود تيارات معارضة ـ أخرى ـ منافسة لفصائلهم وتنظيماتهم، خاصة إذا كانت هذه التنظيمات تحمل فى كيانها من العوامل الكامنة ما تستطيع به سبر غور جذور العلة فى وجود واستمرار النظام العسكري فى حكم ليبيا.

بمعنى آخر، إن الكفاح من أجل تحرير الوطن من نظام حكم (محلي) فاسد، سيجد له بالضرورة قوى معارضة وطنية تتصدى له بالرفض، وتسعى إلى إسقاطه أو تغييره، لكنه ليس بالضرورة، فى معظم الحالات أن تتحد هذه القوى ـ المنضوية تحت أجنحة معارضة مختلفة ـ من أجل تحقيق الهدف الموحد.

بل إنه ـ كما حدث فى كثير من الحالات المشابهة فى العالم ـ قد يدفع السباق المحموم حول تحقيق هذا الهدف السامي بين رفاق النضال إلى تحويلهم ـ بسهولة ويسر ـ لغرماء وأضداد شرساء يكيل كل منهم للآخر البغض والغبن والكراهية.

ويرجع السبب فى ذلك إلى الطبيعة البشرية ـ الكامنة فى النفوس ـ التى تبحث على الدوام عن الأثرة والتميز، للدرجة التى ـ قد ـ يناصب فيها المنافسون العداء والكراهية لبعضهم البعض الآخر فى غمار تنافسهم على تحقيق الهدف الواحد المنشود.

وهناك ثلاث حالات ـ استثنائية ـ تتحد فيها قوى المعارضة لتحقيق هدف الأمة فى التحرر من ربق ظالميها، والتى يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:

        عند وصول أفراد هذه الجماعات إلى الوعي والسمو والرقي الإنساني الذى يؤثر فيه الفرد أو الجماعة ـ ذات المصالح الشخصية المشتركة ـ المصلحة العامة على مصالحهم الذاتية المحدودة.

        فى حالة التمحور حول عقيدة أو إيمان تزول أمامه كافة المطامع والمطامح الشخصية، وتتحد الأهواء النفسية من أجل تحقيق الهدف الرئيسي المشترك الذى تعم فائدته الجميع.

        فى حالة أن يكون المسيطر على حكم ومقدرات البلاد محتل أو مستعمر أجنبي. فهنا يُصبح المصير واحد لا خلاف ولا نزاع حوله، ويصبح ـ من ثمة ـ التعاون والتعاضد واجب وطني لا يحيد عنه أحد.

 

لقد كان محمد بن يونس يرمى من وراء حديثه المسهب، الذى لخصته فى الأسطر القليلة السابقة، أن قوى المعارضة الوطنية المتواجدة على الساحة، قد تتفق فى توجهاتها من أجل تحقيق الهدف الوطني المنشود، لكنها تختلف فى الأساليب والوسائل المتبعة، التى تكاد تجتمع فى وسيلتين، أولهما العمل العسكري القاضي إلى تغيير نظام الحكم الفاسد بالقوة، وثانيهما الخطاب الإعلامي المعتمد على روح الدعاية السياسية من خلال المنشورات والمطبوعات التعبوية التى تهدف إلى خلق حالة من الوعي الجماعي وإثارة أفراد المجتمع الليبي.

لكن توجه الاتحاد الدستوري الليبي، يخرج عن نطاق هذا الخط المرسوم للمعارضة الليبية، بمسه لعصب المشكلة الحقيقية التى تقع فى معضلتها العويصة مآساة الشعب الليبي، والتى يُقدم لها ـ الاتحاد الدستوري الليبي ـ فى إطار فكرته المعروضة، الحل الأنجع لتحقيق الأهداف المأمولة، عن طريق كفاح قانوني ونضال سياسي ومثابرة إنسانية يعبر عنها ويشرحها خطابه الذكي الذى يطالب بإعادة الشرعية الدستورية للبلاد.

فى هذا الخضم، وللأسباب التى تم ذكرها، هاجم الكثير من المعارضين هذا التوجه الذى فى ظهوره تقزيم لمجمل التوجهات المطروحة، والتى لن تجد لها ـ فى هذا الخصوص ـ نصيب من الفلاح المتوقع والمنتظر لتحقيق الأهداف المنشودة.

واصل السيد محمد بن يونس حديثه مشيراً إلى أن كل ما سلف ذكره كان ـ هو ـ السبب الرئيسي وراء إطلاق بعض شخصيات المعارضة لحملة ـ محكمة الإتقان ـ تهدف للحط من قدر توجه الاتحاد الدستوري الليبي والتشكيك فى نجاحه، وذلك من خلال ربطه وإقرانه بالملكية والملك، وتجاهلها ـ عن عمد ـ الإشارة إلى الأساس الذى ترتكز عليه فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، والذى يتمثل فى إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها الطبيعي فى البلاد !!.

ثم أردف ـ محدثي ـ مستدركاً، بأنه يعلم يقيناً بأن الفكرة القائم عليها توجه الاتحاد الدستوري الليبي يكمن فى نواتها حل القضية الليبية، وإنه ـ من ناحية أُخرى ـ لا يرى مقدار ذرة من الصحة فى الفهم الذى يحاول البعض إشاعته لتشويه الفكرة من خلال تجريدها من جذورها التى بُنيت عليها وهى إعادة الشرعية الدستورية لنصابها السليم، بغض النظر ـ هنا ـ عن وجود الملك على رأسها من عدمه، أو فى اختيار ـ الشعب الليبي ـ للنظام الملكي كشكل للحكم أو أن يقوم باستبداله بغيره؛ ولكن هؤلاء المغرضين ـ رغم ذلك ـ قد اختاروا، عن إصرار وتعمد، الترويج للفكرة بمفهومها المبتور، المقتصر فى معناه على ضرورة وجود الملك والنظام الملكي !.

 

وصل السيد محمد بن يونس فى حديثه الطويل إلى النقطة الأساسية فى جعبته، والتى أعد لها مسبقاً فى حوار ذلك اليوم، والتى سيتم الحديث عنها فى الجزء القادم من هذه المقالة.

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

11 سبتمبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] حاز على عضوية مجلس إدارة بعض البنوك العاملة فى مصر؛ كما تم تعيينه  ـ من قبل الحكومة المصرية ـ كمستشار فخري فى وزارة الاقتصاد؛ إضافة إلى تعيينه ضمن أعضاء الفريق الاقتصادي المصري الرسمي الذى يقوم بمهمة إجراء المفاوضات التجارية وإبرام الصفقات المالية مع الدول والهيئات الأجنبية.

[2] شغل السيد محمد بن يونس فى العهد الملكي منصب رئيس نيابة بنغازي، ومنصب عميد بلدية مدينة بنغازي، كما تولى فى بدايات فترة الحكم الفاسد منصب محافظ بنغازي، ثم منصب وزير الخدمة المدنية، وبعد ذلك عين فى منصب وزير الوحدة  (المزعومة بين مصر و ليبيا) و كان مقره فى القاهرة، ثم انشق عن النظام في بداية الثمانينيات لبضع سنوات.

[3] لقد حررت ـ وبعثت ـ رسالتي الأولى للسيد محمد بن يونس بتاريخ 16 يناير 1982م، والثانية ـ التى أرفقت نسخة منها مع هذا المقال ـ بتاريخ 16 فبراير 1982م.

 

 
 

نشرت هذه الحلقة يوم الاثنين 11 سبتمبر 2006 على المواقع الليبية

يبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

 

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء التاسع

[2] الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي

 

(تابـع): محمد بن يونس ..

 

لقد توقفت فى الجزء السابق من هذه المقالة عند تلك الدعوة التى وجهها يوسف الشيباني لي ولمحمد بن يونس وسامي الجربي والدكتور محمد القندوز فى نهاية اللقاء الذى جمعنا سوياً فى منزل محمد بن يونس.

وكانت دعوة الشيباني ـ لي ـ  فى أساسها ترمى إلى إتاحة فرصة للقاء آخر يتم فيه استئناف الحديث عن كيان الاتحاد الدستوري الليبي، الذى انتهى بنا الحوار حوله ـ فى اللقاء السابق ـ إلى منحدر هابط، قادنا إليه سامي الجربي بإسلوبه الاستفزازي غير المات للموضوعية بصلة.[1]

  

** * **

 

وفى الموعد المحدد استقبلني يوسف الشيباني فى منزله بحفاوة وكرم بالغ، وكان محمد بن يونس قد سبقني إلى هناك، بينما تخلف عن الحضور كل من الجربي والقندوز، اللذان خمنت فى حينه، بأنه ـ ربما ـ يكون تغيبهما قد تم بإيعاز من محمد بن يونس، الذى دفعته لذلك رغبته فى منح حديثنا ـ المرتقب ـ حقه فى نقاش مستفيض، يدور بيننا على حدة، ولهذا أوعز لرفاقه بعدم الحضور.

 

  ** * **

 

شرحت باستفاضة وافية لمحمد بن يونس فكرة وتوجه الاتحاد الدستوري الليبي، الذى كان ملما بتفاصيلها من خلال منشورات الاتحاد ولقاءنا السابق، وأفصح حديثه ـ فى ذلك اللقاء ـ عن فهمه العميق لأبعاد أهدافها الدفينة، من خلال إظهار إعجابه الشديد بها.

كما عبر عن مشاعر حزنه لعدم إلتفاف عتاة أهل الفكر والفطنة من شخصيات المعارضة الليبية حول هذا التوجه الذى يكمن فى فحواه الحل للقضية الليبية (على حد تعبيره).

وبعد ديباجته المسهبة فى مدح وإطراء توجه الاتحاد الدستوري الليبي، قال محمد بن يونس، بأنه يخشى من ضياع فرصة استثمار فكرته النيرة بعد أن قامت بضعة شخصيات من المعارضة الليبية بتشويه محتواها الأصيل المتمثل فى إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المكين فى البلاد، والقيام بتحريف مفهومها الشامل من خلال قصره على المطالبة بعودة الملكية كهدف رئيسي لا حياد عنه !.

كما عبر محمد بن يونس، بما يحتويه مكنون فكره الواعي، على أن هذا الربط ـ الخاطىء ـ الذى نجح مروجوه فى إشاعته ونشره بين صفوف المعارضة الليبية بالخارج، لن يساعد ـ على المدى البعيد ـ فى دعم المساعى الحثيثة التى يبذلها القائمون على الاتحاد الدستوري الليبي من أجل تحقيق أهدافه المعقود عليها آمالهم الوطنية.

ومن ثمة، فإن ذلك سيهدر ـ من جهة ـ جهودهم المضنية إلى غير طائل، وتذهب مساعيهم المخلصة أدراج الرياح. أما من الجهة الأخرى، فإن النظام الملكي، الذى بالكاد تجد أحد لا يعرف، فى الوقت الحالي[2]، أنه غير مدرج فى قائمة أولويات الاختيارات المطروحة على ساحة المعارضة لشكل نظام الحكم المرغوب فى تقلده الحكم ـ كبديل للنظام الفاسد ـ فى ليبيا.

بمعنى آخر، إن المعارضة الليبية، فى غضون ذلك الوقت[3]، كانت تستبعد من قائمة أهدافها الأولية السعى إلى إعادة النظام الملكي لحكم ليبيا، مستعيضة عن ذلك بالتبشير لإقامة نظام سياسي جديد، يتم تطعيمه بكوادر شخصياتها الطامحة لتسلم مقاليد سلطة الحكم فى البلاد بدلاً من حكم النظام الفاسد المزمع إسقاطه.

وواصل بن يونس حديثه برتابة من أعد له بإتقان مفرط، بقوله أن هؤلاء المغرضين قد نجحوا فى إلصاق مفهوم التمسك بإعادة حكم النظام الملكي فى ليبيا بتوجه كيان الاتحاد الدستوري الليبي.

ومن هنا، وتحت نير هذا التشويه ـ المدروس ـ لن يستطيع الاتحاد الدستوري الليبي أن يجد له موطىء قدم ينطلق منه لتحقيق أهدافه المأمولة، وبالتالي ستضيع فكرته الداعية لإعادة الشرعية الدستورية هباءاً منثوراً !.

وهنا، قال محمد بن يونس مسترسلاً فى حديثه، المنمق المعسول، أنه يملك اقتراحاً ـ لا ـ يكمن فى قبولي له وإذعاني لتطبيق خطواته بحذافيرها الحل لهذه المعضلة العويصة فحسب، بل إنه سيسجل لي ـ إسدائي ـ لخدمة وطنية عظيمة، وتقديمي لفائدة جمة سيعم نتاجها على كافة الأطراف المعنية بها !!.

فما كان مني ـ والحال كذلك ـ إلاّ أن منحته آذانا صائغة متشوقة لسماع حيثيات اقتراحه فى هذا المغزى. وما كان منه إلاّ أن أفصح عن اقتراحه الذى ـ كان ـ يصب مؤداه فى أن أقوم، كخدمة وطنية، بالادعاء بأن فكرة الاتحاد الدستوري الليبي تتركز فى جوهرها على المطالبة بعودة الملكية لحكم البلاد، والتغاضي عن ذكر هدفها الأساسي الذى يقوم عليه عمادها، والذى يقضي بالمطالبة بعودة الشرعية الدستورية. أي بكلمات أُخرى، إضفاء مصداقية ـ ثابتة ـ على تلك الشائعات المغرضة فى هذا المنوال.

وقال بن يونس مسترسلاً، إن فى ذلك خدمة للقضية الوطنية من حيث تفويت فرصة ضياع استثمار الفكرة الأصيلة القائمة على المناداة بعودة الحياة الدستورية إلى البلاد، التى نالت شائعات المغرضين منها من خلال زجهم بكيان الاتحاد الدستوري فى المفهوم الضيق القاصر على المطالبة بعودة الملك والملكية.

وبحسب اقتراحه السالف، فأنه سيقوم ـ هو ـ ومجموعة من الوطنيين الأخيار بتلقف الفرصة السانحة من خلال تبنى الفكرة الأم التى تنادى بعودة الشرعية الدستورية والدفع بها فى قالب جديد يلتف حوله الجميع ويحقق للبلاد ضالتها المنشودة !!.

 

  ** * **

 

لقد تضاءل فى نظري ـ فى تلك اللحظات ـ محمد بن يونس لكونه تجرأ على مناشدتي بمثل هذا الهراء الذى يقتضي مني مخاطبة الملأ بما لم يدر فى ذهني، وبما لم تدع إليه الفكرة الأصيلة التى قام على أساسها الاتحاد الدستوري الليبي.

 

فقلت لمحدثي متسائلاً، هل تُريدني أن أصدح بين الملأ بأن توجه الاتحاد الدستوري الليبي مقتصر فى حدوده الضيقة التى يروج لها المغرضون (حسب وصفه لهم)، وأكون بذلك جنيت على نفسي وعلى أعضاء الاتحاد الدستوري الذين انضموا له تحت بريق جاذبية توجهه الشامل فى إعادة الشرعية الدستورية وليس فى عودة الملكية بذاتها فحسب.

وقلت له، لو سولت لي نفسي فى يوم أن اتبع مثل هذا الهوى الأخرق، لاستحقيت عن جدارة كافة النعوت والشائعات المغرضة التى أطلقها عليّ بعض أصحاب المأرب ـ فى هذا الصدد ـ منذ إعلان تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي وحتى هذه اللحظة.

وقلت له، إنني أجد نفسي ملزماً ـ هنا ـ بأن أسدى له نصيحة ثمينة، فى مقابل إقتراحه الذى جانبه الصواب، والتى لخصتها له فى أن يمضى قدماً ـ مع مجموعته التى أشار إليها ـ بتأسيس بنيان توجهه الوطني الداعي إلى المناداة بعودة الحياة الدستورية إلى البلاد.

وقلت له، فى تفسير لمفاد نصيحتي، إنه لا يحتاج الأذن من أحد ـ فى هذا الإطار ـ وبالذات مني، لتأسيس كيان توجهه الوطني، فهذا الأمر لا يستلزم رخصة تُجيز لصاحبها تأسيس أي نوع من التنظيمات السياسية المعارضة، بل العكس من ذلك هو الصحيح.

فالأمر، فى هذا الخصوص، مباح للجميع ولايستدعى من صاحبه التطلع لإجازته من قبل الآخرين. فليس هناك ما يُعيب وجود تنظيمات تحمل توجهات متشابهة، أو تتبنى أفكارا متطابقة، فنجاح إحداها هو نجاح للجميع. أوليس نحن ـ جميعنا ـ نسعى لنفس الأهداف الوطنية الحميدة ؟.

وقلت له بعبارة أوضح، إن الأمر ـ فى هذا الإطار ـ لايعطي الحق لأحد باحتكار فكرة سياسية معينة، أو توجه سياسي بعينه، فالفضاء متسع للجميع لكى يتبنوا من الأفكار والتوجهات ما تسعه رغباتهم الدفينة.

وقلت له، بأن الله سوف يحالفه ـ ومن معه ـ بالنجاح، طالما كانت نواياهم مخلصة لوجهه الكريم وصادقة لقضية الوطن.

واسترسلت فى القول ـ فى هذا الإطار ـ بأن يدع الاتحاد الدستوري الليبي وشأنه، وأن لا يقلق من منافسته له فى التوجه المشترك، فقد تكفلت ـ على حد قوله السابق ـ شائعات المغرضين بحبس فكرته وتوجهه فى نطاق أفق سياسي ضيق، لن يعدو به ـ إستناداً لمنطقهم ـ فى درب الكفاح والنضال الوطني سوى خطوات معدودة !!.

واسترسلت فى القول لمحمد بن يونس فى ختام كلامي ـ فى ذلك المضمار ـ بأن الخلاصة فى هذا الأمر، تكمن فى قدومي إليه للحصول على مؤزارته لتوجه الاتحاد الدستوري الليبي الذى ـ خلت ـ بأنه قد فهم فكرته الأصيلة بوضعية لم يباره فيها سوى قلة آخرين.

وأشرت له، بأني حملت معي ـ وأنا مقدم على ذلك اللقاء ـ أملي بأن ينضم لكيان الاتحاد الدستوري الليبي ليدعمه ويضيف إليه رصيداً ووزناً قيماً مستمداً من واقع خبرته السياسية المصقولة وصلاته الشخصية المتمكنة.

وقلت له، لكل ما سبق ذكره، فأني أطلب منه إن كان لا يرغب فى دعم، أو مؤازرة، أو الانضمام للاتحاد الدستوري الليبي، فعليه ـ والحال كذلك ـ أن يتمنى لي ولأعضائه النجاح فيم نحن ساعون إليه، وهذا ـ هو ـ أضعف ما نتطلع إليه من أي شخص نخاطبه من أجل الدعم والمؤازرة !.

وأنتهى بذلك حديثنا حول الاتحاد الدستوري الليبي، وسادت جلستنا ـ بعد ذلك ـ أحاديث إجتماعية عابرة، غادرت ـ بعدها ـ قافلاً إلى محل إقامتي بالقاهرة.

 

 ** * **

 

لم أر محمد بن يونس بعد ذلك اللقاء حتى وفاة والدي (رحمه الله) فى أواخر شهر يوليو 1984م، حيث أتى ـ فى حينه ـ إلى منزل والدي بمدينة الأسكندرية لتقديم تعازيه ومؤاساته لي ولأسرتي فى فاجعتنا الأليمة.

وفى غضون مراسم العزاء الذى كانت تخيم عليه أجواء الحزن البالغة بدأ محمد بن يونس يحدثني عن موضوع مشروع ميثاق الشرف الوطني[4]، الذى سبق وأن حدثني فيه عندما زارني بمانشستر فى خريف 1982م.

وعندما وجدته قد تمادى فى حديثه حول مشروع ميثاقه المذكور، أوقفته عن الاسترسال، مذكره بأن المقام الذى يجمعنا بغماره الحزين لا يتناسب والحديث عن مثل هذه الأمور، فاستدرك نفسه معتذراً.

ولعله جدير بالذكر ـ فى هذا السياق ـ الإشارة إلى أنه قد وصلتنى رسالة فى شهر أبريل 1984م، تدعوني حيثياتها إلى إبداء رأيي فى مشروع ميثاق الشرف الوطني، الذى تم إرفاق نسخة من مسودته مع الرسالة المنوه عنها.

ولما كانت ـ هذه ـ الرسالة غير واضحة المصدر، بمعنى، إنها ـ كانت ـ موقعة باسم اللجنة التحضيرية لمشروع ميثاق الشرف الوطني، دون اكتراث من مرسلها بأن يدون أسماء أعضاء هذه اللجنة أو أسمه وعنوانه حتى يتمكن المرء من الرد عليه، فما كان مني إلاّ أن تجاهلتها، لأنه لم يكن أمامي خياراً آخرا.

وفى الثالث و العشرين من شهر يوليو من نفس السنة، أي بعد ثلاثة أشهر، اتصل بي يوسف الشيباني عبر التليفون يستفسر عن عدم ردي على الرسالة التى بعثها لي ! فأوضحت له الأسباب بعد أن علمت منه أنه ـ هو ـ مرسلها، ووعدته بالرد عليه كتابة بعد أن أنجلى ـ لي ـ غموض مصدرها.

وأدت وفاة والدي المفاجئة إلى تأخر ردي الذى حررته فى رسالة وجهتها إلى محمد بن يونس بتاريخ 20 سبتمبر 1984م، أوضحت ـ له ـ فيها رأيي حول ميثاقه المشار إليه، والذى لم يتغير بقيد أنملة منذ حديثنا الذى جرى فى منزلي بمانشستر عام 1982م (سيجد القارىء نسخ من الرسائل المشار إليها أدناه).

 

يـتـبـع ..

محمد بن غلبون

21 سبتمبر 2006

chairman@libyanconstitutionalunion.net

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أنظر الجزء الثامن من هذه المقالة، تحت محمد بن يونس، تجده على الرابط التالي:

http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc11096a.htm

 [2] لعله لم يغب عن فطنة القارىء ـ كما سبقت الإشارة فى الجزء السابق ـ بأن هذا الحديث قد تم فى ديسمبر من عام 1982م.

[3] فى أثناء السنوات الأولى من عقد الثمانينات للقرن المنصرم.

[4] مشروع ميثاق الشرف، أطلق محمد بن يونس فكرته، وسعى إلى محاولة استقطاب رموز المعارضة الليبية فى الخارج حوله.

 

الملحق الأول

 

الملحق الثاني

 

تنويه

سوف يتم التوقف عن نشر الأجزاء القادمة من هذه المقالة خلال الشهر الكريم، على أن

 يتم استئناف نشرها ـ مجدداً ـ بعد انقضاء عطلة عيد الفطر الكريم مباشرة،

 وكل عام وأنتم بخير.

 

 

نشرت هذه الحلقة يوم  السبت 23 سبتمبر 2006 على المواقع الليبية

"ليبيا وطننا" و "ليبيا المستقبل" و "المنارة"

   

English Translation

عودة إلى أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
English List

About the LCU

Contact Us
 

 

 

Copyright 1999 LCU. All rights reserved.
Revised: March 05, 2014